الشيخ السبحاني
20
الحياة البرزخية في ضوء الكتاب والسنة والعقل الصريح
على ما جبت يداه بقتله أُناساً أبرياء ، فلا القاضي ولا الحاضرون في جلسة المحكمة يرون الحكم الصادر بحقّه جائراً ، بل يراه الجميع أنّه وفق العدالة . ولو كان الإنسان عبارة عن جسم مادي ، فقد تغيرت خلاياه مرات عديدة طيلة تلك الأعوام ، لكنّ الحاضرين والقاضي وكل سامع ، يرى أنّه نفس ذلك الإنسان الجاني ، فما هذا إلّا لأنّ هناك حقيقة ثابتة في دوّامة المتغيّرات ، لم يطر أعليها أيّ تغيير ، بل بقيت محفوظة مع كل هذه التبدلات ، وإذا كان التغيّر من صفات المادة ، والثبات والدوام من صفات الموجود غيرالمادّي ، نكتشف منذلك أنّ واقع الإنسان غيرمادّي وثابت في جميع الحالات ، وهذا ما نعبرّ عنه بالروح المجرّدة ، أو النفس المجردة . وأخيراً نقول : إنّ هذا البرهان غير البرهان السابق ، فمنطلق الأول هو وجود الموضوع لجميع المحمولات ، ومنطلق البرهان الثاني هو ثبات الموضوع في دوّامة التحوّلات والتغيرات الطارئة على البدن . وفي النهاية نقول : وقد لخص الرازي هذا البرهان في تفسيره وقال : إنّ أجزاء هذا الهيكل أبداً في النموّ والذبول ، والزيادة والنقصان والاستكمال والذوبان ، ولا شكَّ أنّ الإنسان من حيث هو هو أمر باق من أوّل عمره ، والباقي غير ما هو غير باق ، والمشار إليه عند كل أحد بقوله « أنا » وجب أن يكون مغايراً لهذا الهيكل « 1 » . ج - علم الإنسان بنفسه مع غفلته عن بدنه : ترى الإنسان يغفل في ظروف خاصة عن كل شيء حتى عن بدنه
--> ( 1 ) الرازي : مفاتيح الغيب 4 : 147 .